الفاصلة القرآنية

[FONT=Arial] القرآن كما هو معجز في مضمونه، فهو معجز في أسلوبه، ومن أساليب القرآن المعجزة، وتراكيبه المبدعة الكلمات التي تُختم بها آياته، وتسمى فواصل القرآن، قال ابن الجوزي في “زاد المسير”: “ويسمون أواخر الآي الفواصل”.

والفواصل جمع فاصلة، والفاصلة القرآنية: هي آخر كلمة في الآية، وهي بمثابة السجعة في النثر، وبمنـزلة القافية في الشعر، وسميت فاصلة؛ لأنها فصلت بين الآية التي قبلها، والآية التي بعدها. ولعل هذه التسمية أخذت من قوله تعالى: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} (هود:1)، وقوله سبحانه: {كتاب فصلت آياته} (فصلت:3).

وقد عرَّف ابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” الفاصلة القرآنية بأنها: “الكلمات التي تتماثل في أواخر حروفها أو تتقارب، مع تماثل أو تقارب صيغ النطق بها، وتكرر في السورة تكرراً يُؤْذِن بأن تماثلها أو تقاربها مقصود من النظم في آيات كثيرة متماثلة”.

وقال أيضاً: “الفواصل كلها منتهى آيات، ولو كان الكلام الذي تقع فيه لم يتم فيه الغرض المسوق إليه، وأنه إذا انتهى الغرض المقصود من الكلام، ولم تقع عند انتهائه فاصلة، لا يكون منتهى الكلام نهاية آية إلا نادراً، كقوله تعالى: {ص والقرآن ذي الذكر} (ص:1)، فهذا المقدار عُدَّ آية، وهو لم ينته بفاصلة، ومثله نادر”، وذلك أن الآيات التالية لهذه الآية، خُتمت بحرف قبله ألف مفتوحة، وذلك قوله تعالى: {شقاق} (ص:2)، {مناص} (ص:3)، {كذاب} (ص:4)، {عجاب} (ص:5)؛ فكلام ابن عاشور وغيره يفيد أن الفواصل القرآنية إنما هي الكلمات التي تختم بها الآيات، وتكون على وزان واحد، وتناسق متشابه في الأغلب، كما يتبين قريباً.

وقد أوضح أهل العلم المتقدمون أهمية الفاصلة القرآنية، وبينوا مكانتها في النظم القرآني، يقول القرطبي بهذا الصدد: “الفواصل حلية وزينة للكلام المنظوم، ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور. ولا خفاء أن الكلام المنظوم أحسن، فثبت بذلك أن الفواصل من محاسن الكلام المنظوم، فمن أظهر فواصله بالوقوف عليها فقد أبدى محاسنه، وترك الوقوف يخفي تلك المحاسن، ويشبه المنثور بالمنظوم، وذلك إخلال بحق المقروء”.

وضرب المتأخرون بسهم أوفر في هذا الباب، فأولوا عناية بموضوع الفاصلة القرآنية، ولعل أهم من تناول هذا الجانب أديب الإسلام الرافعي، حيث أشار إلى الفواصل القرآنية، وجعلها في جملة الأمور التي أعطت للنظم القرآني جمالاً وإعجازاً، يقول بهذا الخصوص ما حاصله: وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن، إلا صورة تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الأصوات، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقاً عجيباً يلائم نوع الصوت، والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب، وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم.

واعتبر ابن عاشور أن الفواصل القرآنية “من جملة المقصود من الإعجاز؛ لأنها ترجع إلى محسنات الكلام، وهي من جانب فصاحة الكلام، فمن الغرض البلاغي الوقوف عند الفواصل؛ لتقع في الأسماع، فتتأثر نفوس السامعين بمحاسن ذلك التماثل، كما تتأثر بالقوافي في الشعر، وبالأسجاع في الكلام المسجوع”.

هذا، وقد اعتمد عدد من المفسرين المتقدمين على هذا الأسلوب في أثناء تفسيرهم لآيات القرآن الكريم، كالقرطبي والبيضاوي والبغوي، وكان أكثر من اعتمد عليه من المتأخرين، ابن عاشور ثم الآلوسي ثم الشوكاني. وكانوا كثيراً ما يعللون نظماً محدداً للآية بأنه مراعاة للفواصل؛ فـ القرطبي يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وتبتل إليه تبتيلا} (المزمل:8)، قال: “قال: تبتيلاً، ولم يقل: تبتلاً؛ لأن معنى تبتل: بتل نفسه، فجيء به على معناه؛ مراعاة لحق الفواصل”.

وعلل كل من الزمخشري والرازي إسناد الفعل في قوله تعالى: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} (طه:117) إلى آدم عليه السلام فحسب، مع أن المخالفة صدرت من آدم وزوجه حواء، بأن ذلك مراعاة للفاصلة؛ حيث إن الآية التي قبلها: {إلا إبليس أبى}، والتي بعدها: {ولا تعرى}، انتهيتا بألف مقصورة، فكان من المناسب أن يقول: {فتشقى}، ولم يقل: فتشقيا، بألف التثنية.

والشوكاني يعلل تأخير ما حقه التقديم، كما في قوله تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود} (العاديات:6)؛ إذ تقدير الآية: إن الإنسان كنود لربه، فعدل عن ذلك رعاية للفواصل؛ إذ إن الآيتين اللتين بعدها، {وإنه على ذلك لشهيد} و{ وإنه لحب الخير لشديد}، انتهيتا بحرف الدال، فكان من المناسب تأخير ما حقه التقديم، مراعاة للفاصلة.

وقال أيضاً عند تفسيره لقوله تعالى: {وكان رسولا نبيا} (مريم:51)، قال: “كان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص، إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك”؛ إذ إن الآيات السابقة واللاحقة لهذه الآية انتهت بياء وألف، فالآية التي قبلها، قوله سبحانه: {لسان صدق عليا} (مريم:50)، والتي بعدها: {وقربناه نجيا} (مريم:52)، والمراد بذكر الأعم هنا: أن وصف النبوة أعم من وصف الرسالة.

أما الآلوسي فيعلل تقديم المفعول على الفاعل في قوله تعالى: {ولا هم ينصرون} (البقرة:86)؛ إذ التقدير: لا ينصر الله إياهم، وإنما عُدل ذلك من أجل رعاية الفاصلة، إذ إن الآيات التي قبلها وبعدها انتهت بواو ونون، فالآية التي قبلها قوله سبحانه: {وما الله بغافل عما تعملون} (البقرة:85)، والتي بعدها قوله تعالى: {ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} (البقرة:87). ويعلل أيضاً تأخير ما حقه التقديم في قوله تعالى: {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} (يونس:29)، بأنه من أجل رعاية الفاصلة، فيقول: “والتقديم لرعاية الفاصلة”؛ إذ التقدير: إنا كنا غافلين عن عبادتكم، لكن لما كانت الآيات قبلها وبعدها منتهية بالنون ناسب هنا تأخير ما حقه التقديم مراعاة لذلك.

وقد توسع ابن عاشور في توجيه كثير من الآيات وَفْقَ المنهج المشار إليه، فمن الآيات التي وجهها وفق ذلك قوله سبحانه: {فكيف كان عذابي ونذر} (القمر:16)، قال: “وحذف ياء المتكلم من (نذر) وأصله: نذري. وحذفها في الكلام في الوقف فصيح، وكثر في القرآن عند الفواصل”. وعند تفسيره لقوله تعالى: {ومن دونهما جنتان} (الرحمن:62)، قال: وإيثار صيغة التثنية هنا؛ لمراعاة الفواصل السابقة واللاحقة.

ثم إن لمعرفة فواصل القرآن فوائد لا تُنكر، من تلك الفوائد ما يلي:

أولاً: أن معرفة فواصل القرآن تمكن المكلف من الحصول على الأجر الموعود به على قراءة عدد معين من الآيات في الصلاة, كقوله صلى الله عليه وسلم: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله وبيته أن يجد فيه ثلاث خَلِفات عظام سمان؟ قالوا: نعم، قال: فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)، رواه مسلم. و(الخَلِفات): الحوامل من الإبل, والواحدة: خَلِفة.

ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم: “من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المقنطرين”، رواه أبو داود. فإذا لم يكن المكلف عالماً بفواصل الآيات، لا يتيسر له إحراز هذا الأجر، والظفر بهذا الثواب.

ثانياً: أن معرفة فواصل القرآن يترتب عليها صحة الصلاة -في بعض الأوقات-؛ وذلك أن فقهاء الإسلام قرروا أن من لم يحفظ الفاتحة – وهي ركن من أركان الصلاة – يتعين عليه أن يأتي بسبع آيات بدلاً منها، فإذا كان عالماً بالفواصل استطاع أن يأتي بسبع آيات، تصح بها صلاته.

ثالثاً: أن معرفة فواصل القرآن يترتب عليها صحة خطبة الجمعة -بحسب بعض المذاهب-؛ وذلك أن فريقاً من الفقهاء نص على أن الخطبة لا تصح إلا بقراءة آية تامة, فمن لم يكن عالماً بالفواصل يعسر عليه معرفة ما تصح به الخطبة.

رابعاً: أن معرفة فواصل القرآن تُعين المصلي على تحديد ما تُسنُّ قراءته بعد الفاتحة في الصلاة، فقد نصَّ العلماء على أنه لا تحصل السنة إلا بقراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، ومنهم من يرى وجوب قراءة ثلاث آيات بعد الفاتحة، فلا تصح الصلاة عند من يرى هذا الرأي بأقل من هذا العدد، فمن لم يعرف الفواصل لا يتيسر له تحصيل هذه السنة، أو هذا الواجب.

وعلاوة على ما تقدم من فوائد تحصل بمعرفة الفواصل القرآنية، ذكر ابن عاشور فائدة سماعية؛ وذلك أن تلك الفواصل من جملة المقصود من الإعجاز القرآني؛ لأنها ترجع إلى محسنات الكلام وفصاحته؛ والغرض البلاغي يستدعي الوقوف عندها؛ لتقع في الأسماع موقعاً حسناً، فتتأثر نفوس السامعين بمحاسن ذلك التماثل، كما تتأثر بالقوافي في الشعر، وبالأسجاع في النثر. فمثلاً، قوله تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} (غافر:71) آية، وقوله سبحانه: {في الحميم ثم في النار يسجرون} (غافر:72) آية أيضاً، وقوله سبحانه: {ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون} (غافر:73) آية كذلك، وقوله تعالى: {من دون الله} (غافر:74) إلى آخر الآيات. فقوله: {في الحميم} متصل بقوله: {يسحبون}، وقوله: {من دون الله} متصل بقوله: {تشركون}، وينبغي الوقف عند نهاية كل آية منها.

ومثل ذلك يقال في قوله سبحانه: {واشهدوا أني بريء مما تشركون} (هود:54) آية، وقوله بعدُ: {من دونه} (هود:55) ابتداء الآية. فإذا كان الوقوف على هذه الفواصل من الأهمية بمكان، لما يتركه ذلك من أثر في نفوس المستمعين، أقول: إذا كان الأمر كذلك، فإن من العبث إهمال الوقوف على الفواصل، وعدم الاعتناء به، والالتفات إليه.

ثم إن من الفوائد التي تُذكر لهذه الفواصل، أنها تساعد على تيسير حفظ القرآن، وسرعة ثباته في الذاكرة؛ إذ من الثابت أن الكلام المتناسق في نظمه، والمتقارب في رسمه، أكثر قابلية للحفظ، وأكثر رسوخاً في النفس، وأبعد عن التفلت والنسيان من الكلام المنثور.

على أن وراء هذه الفوائد وجوبَ اتباع المأثور من تحديد الآيات، كما قال أهل العلم.

ومع بالغ عناية القرآن بالمعاني، وعظيم اهتمامه بالمقاصد، غير أنه لم يهمل أمر الفواصل القرآنية، بل من أجل ذلك عدل أحياناً عن مقتضى القواعد اللغوية. ومن الأمثلة على ذلك:

قوله سبحانه: {ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} (البقرة:87)، فالأصل: وفريقاً قتلتم، لكن لما كانت فواصل السورة مبنية على وجود حرف المد (الواو) قبل الحرف الأخير في الكلمة، كما في قوله قبلُ: {ولا هم ينصرون} (البقرة:86)، وكما في قوله بعدُ: {فقليلا ما يؤمنون} (البقرة:88)، عدل عن ذلك الأصل، وقال: {وفريقاً تقتلون}؛ مراعاة لفواصل السورة.

وقوله تعالى: {لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} (يوسف:46)، فقد كرر كلمة (لعل)؛ مراعاة لفواصل الآيات السابقة واللاحقة المختومة بـ (النون)، ولولا هذه المراعاة لقال: (ليعلموا) أو (فيعلموا)، وحينئذ لا يكون ثَمَّ تناسب بين هذه الفاصلة وبين ما قبلها وما بعدها من الفواصل.

وقوله سبحانه: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} (طه:67)، أُخِّر الفاعل {موسى}, وقُدِّم المفعول به {خيفة} على خلاف الأصل، الذي يقتضي تقديم الفاعل على المفعول؛ رعاية لفواصل السورة المختومة كلها بالألف.

ونحو ذلك قوله تعالى: {ولقد جاء آل فرعون النذر} (القمر:41)، حيث أخَّر الفاعل، وهو {النذر} على المفعول، وهو {آل}؛ رعاية لفواصل السورة، التي بُنيت كلها على الراء الساكنة.

ومن هذه البابة أيضاً قوله تعالى: {وهيئ لنا من أمرنا رشدا} (الكهف:10)، وقوله سبحانه: {لأقرب من هذا رشدا} (الكهف:24)، وقوله تعالى: {فأولئك تحروا رشدا} (الجن:14)، فاختار القراء السبعة فتح الراء والشين من قوله تعالى: {رشدا}، مع إجماعهم على جواز ضم الراء وتسكين الشين في هذا اللفظ؛ وذلك مراعاة لفواصل الآيات، المتقدمة عنها والمتأخرة. قال ابن الجزري: “ويحتمل عندي أن يكون فتح الحرفين لمناسبة رؤوس الآي”، يعني: أن فواصل الآيات في السياق الذي وقعت فيه كل من الآيات الثلاث جاءت محركة الوسط.

وقريب من هذا، قوله عز من قائل: {وجعل الشمس سراجا} (نوح:16)، ولم يقل: {ضياء} (يونس:5)؛ لأن الفواصل التي قبلها وبعدها جاءت على حروف صحيحة، {طباقا} (نوح:15)، {نباتا} (نوح:17)، ولو قيل: {ضياء}، لصارت الفاصلة همزة، والهمزة قريبة من حروف العلة، فيثقل الوقف عليها، ويختلف وقعها في السمع.

وعلى وَفْق ما تقدم، يقال في قوله تعالى: {وتظنون بالله الظنونا} (الأحزاب:10)، وقوله سبحانه: {وأطعنا الرسولا} (الأحزاب:66)، وقوله عز وجل: { فأضلونا السبيلا} (الأحزاب:67)، فقد زيدت (الألف) في ختام الآيات الثلاث؛ لتتساوى مقاطع السورة كلها، وتتناسب فواصلها، لأن جميع فواصلها ألفات.

ومن ذلك أيضاً، قوله تعالى: {ومن دونهما جنتان} (الرحمن:62)، قال المفسرون: وإيثار صيغة التثنية هنا لمراعاة الفواصل السابقة واللاحقة، فقد بُنيت قرائن السورة عليها. وعلى هذا، فجميع ما أجري بصيغة التثنية في شأن (الجنتين) فمراد به الجمع.

ومن أوجه مراعاة الفاصلة، ما ذكره تعالى حول قصة موسى وهارون عليهما السلام في سورة طه؛ فقد جاءت الآية بتقديم ذكر هارون على موسى، قال تعالى: {قالوا أمنا برب هارون وموسى} (طه:70)، مع أن موسى أفضل من هارون، فكانت أفضليته تستدعي تقديم ذكره، لكن لما كانت الفاصلة في السورة في أغلبها جاءت بالألف المقصورة، كان من المناسب مراعاة ذلك، فأُخِّر ما حقه التقديم، وقُدِّم ما حقه التأخير، في حين لما كانت الفواصل في مواضع أخر حول القصة نفسها منتهية بـ (النون)، جاءت الآيات على وفاق ذلك، كقوله تعالى: {رب موسى وهارون} (الأعراف:122)، فقد جاءت الآيات قبلها بالواو والنون أو بالياء والنون.

أخيراً، ذكر السيوطي كلاماً بهذا الصدد حاصله، أنه لا يجوز تسمية الفواصل القرآنية قوافي إجماعاً؛ لأن الله تعالى لما سلب عن القرآن اسم الشعر، وجب سلب القافية عنه أيضاً؛ لأنها منه وخاصة به، فكما يمتنع استعمال القافية في القرآن، يمتنع استعمال الفاصلة في الشعر؛ لأنها صفة لكتاب الله تعالى، فلا تتعداه، وقال ابن عاشور: “وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل، لا يجعلها موازية للقوافي، كما يعلمه أهل الصناعة منهم، وكل من زاول مبادئ القافية”.

[/FONT]
Exit mobile version